الاثنين، 29 يونيو 2009

الأحد، 28 يونيو 2009

feedzilla

السبت، 27 يونيو 2009

انتخبات الرئاسة في جورجيا والفرصة الأمريكية الأخيرة


انتخابات الرئاسة في جورجيا آخر هدية أمريكية إلى سآكاشفيلي
04/01/2008 17:01

بقلم أشرف الصباغ
يبدو التمسك الظاهري للإدارة الأمريكية بالرئيس الجورجي ميخائيل سآكاشفيلي مناقضا لكل الأعراف السياسية، وخاصة بما عرف عن الولايات المتحدة من "ذكاء وبعد نظر" وحرص على مصالحها في كل مكان. غير أن الأبعد من ذلك قد يبدو مثيرا للدهشة، إذ أن واشنطن تبحث فعليا عن بديل لسآكاشفيلي الذي استنفد جميع أوراقه تقريبا، إلا أن سآكاشفيلي الذكي والطموح يعرف كيف يضع البيت الأبيض أمام الأمر الواقع. فقد نظف جورجيا بالكامل من الشخصيات التي يمكن أن تكون بديلة له لسنوات طويلة مقبلة.
فسآكاشفيلي يفهم السيناريوهات الأمريكية جيدا، والولايات المتحدة أمام أمر واقع لا تستطيع الإفلات منه، خاصة وأنها تريد أن تبرهن لكل حلفائها أنها لا تتخلى بسهولة عنهم مهما كان الأمر. ومع ذلك فسيناريو البحث متواصل ومستمر، وسآكاشفيلي يدرك ذلك جيدا.
إذن، تبقى الانتخابات الرئاسية في جورجيا ورقة توت أخيرة تخفي بها الولايات المتحدة عورتها الجورجية ـ الديمقراطية، كما تبقى الورقة الأخيرة لسآكاشفيلي نفسه الذي يبدي يوميا استعداده لعمل أي شيء من أجل البقاء في السلطة حتى ولو ضرب شعبه بالرصاص الذي لا تؤيده الإدارة الأمريكية.
ومن جهة أخرى تتصرف المعارضة الجورجية (الضعيفة والمهلهلة) بصورة ليس لها علاقة إطلاقا لا بالسياسة ولا بمصالح بلادها. فقد دخلت الانتخابات الرئاسية موزعة على عدد من المرشحين الذين يعملون بشكل رئيس في البيزنس. وليس بين مرشحي المعارضة المفتتة واحد على الأقل دخل مجال السياسة الكبرى. ويبدو أن ما يتردد في كواليس رجال الأعمال الجورجيين صحيح. فالمسألة ثأر شخصي من سآكاشفيلي، لأنهم ملوا من دفع الإتاوات طوال السنوات الأربع الماضية. ومنهم من فقد أمواله بسبب تعنته في عدم التسديد. وهناك أيضا من فقد حياته.
إن عودة سآكاشفيلي إلى سدة الرئاسة في جورجيا تشكل ضربة إضافية إلى "مصداقية!" الولايات المتحدة كمؤسسة ديمقراطية. والحديث لا يجري الآن حول العراق أو أفغانستان أو إيران أو السودان، بل عن دولة فقيرة ومعدمة تقف في المرتبة الثالثة بعد إسرائيل ومصر في قائمة الذين يحظون بالمساعدات الأمريكية إذ تصل الإعانات الأمريكية لجورجيا ضمن برنامج "تحديات الألفية" إلى 300 مليون دولار فقط، ومع ذلك تضعها في المرتبة الثالثة من حيث نصيب الفرد.
وهنا يبرز العامل السياسي في مظاهر اهتمام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بجورجيا وتدليل رئيسها بشكل أصبح سابقة في سيناريوهات التدليل الأوروأمريكية. فتارة يجري الحديث عن انضمام جورجيا ـ سآكاشفيلي إلى الاتحاد الأوروبي، وتارة إلى حلف الناتو. ويبدو أن القرارات بهذا الشأن تتخذ في دائرة ضيقة تماما، لأن مواطني الاتحاد الأوروبي في غاية الامتعاض ولم يعد ينقصهم إلا ضم جورجيا لكي يعلنوا صراحة عن اعتراضهم، على الرغم من أن هذا الضيق تجلى عندما تسربت دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد في غفلة من التاريخ، ثم تلقفها حلف الناتو ليصنع جدارا فاصلا بين الدول الأهم فيه وبين أعداء وهميين محتملين.
وهناك أيضا دول أوروبية غير مرتاحة من انضمام جورجيا، وحتى أوكرانيا، سواء إلى الاتحاد الأوروبي أو إلى حلف الناتو. ولكن الدائرة الضيقة التي تتخذ القرار في هاتين المؤسستين قادرة على الإقناع: إقناع الأنظمة السياسية وليس الناخب الأوروبي الذي تأثرت أحواله الاقتصادية ـ المعيشية المباشرة بانضمام دول أوروبا الشرقية.
وبالعودة إلى جورجيا ـ فهي تحصل سنويا على 2 مليار دولار كتحويلات مالية من المواطنين الجورجيين العاملين في روسيا. فأين تذهب هذه الأموال في دولة صغيرة يعرف الناس فيها بعضهم البعض بالاسم والعائلة؟ وإذا كان مبلغ 300 مليون دولار يدفع الرئيس سآكاشفيلي إلى إراقة دماء مواطنيه في الساحات العامة ويمنحه القدرة على اختراع حرب أهلية في بلاده التي يتغنى بديمقراطيتها، فهل يمكن أن نتصور أن جزءا من الـ 2 مليار دولار التي تأتي من روسيا تذهب أيضا إلى دعم مواقف سآكاشفيلي؟ من الصعب تصديق ذلك، ولكن الذي يمكن أن نصدقه هو أن الإتاوات المفروضة على رجال الأعمال الجورجيين تذهب كلها إلى جيوب أفراد بعينهم في مؤسسة الحكم في تبليسي.
لقد تصور الرئيس الجورجي ميخائيل سآكاشفيلي أن منظمة (جواام) التي تأسست في يوم من الأيام من جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان وأوزبكستان ومولدافيا يمكن أن تشكل ورقة سياسية ـ اقتصادية رابحة للغرب عموما في الفضاء السوفيتي السابق، وشوكة في خاصرة روسيا على وجه التحديد. ولكن بخروج أوزبكستان من تلك المنظمة وعودتها إلى المنظمات الإقليمية الناشطة في المنطقة، سقطت (ألف) من كلمة (جواام) وأصبحت (جوام) فقط. وبقيت الدول التي تعاني من مشاكل انفصالية حقيقية: أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في جورجيا، وبريدنستروفيه في مولدافيا، وكاراباخ في أذربيجان. إضافة إلى أوكرانيا المهددة بالانقسام والمليئة بالمشاكل السياسية والاقتصادية، وهي نفس المشاكل التي تغرق فيها بقية الدول الثلاث الأخرى.
وإن منظمة (جوام) بقيت بمثابة ورقة يمكن استخدامها بين الحين والآخر. وبقيت أيضا مشاكل دولها، بل وأصبحت تتفاقم تدريجيا. فكل دولة من دول هذه المنظمة مشغولة بكوارثها الداخلية ـ السياسية والاقتصادية والانفصالية، ناهيك عن جورجيا التي يسعى رئيسها الشاب إلى أداء أي دور بحجة الحفاظ على مصالح الشعب الجورجي. وهو نفس الشعب الذي جاء به منذ عدة سنوات أملا في التغيير. ولكن عندما حصل الشاب على فرصته، ولكن فشل فشلا ذريعا، أراد الشعب نفسه الاستغناء عنه. ولكن هذا المطلب قوبل بالرصاص الذي لم يعره لا الاتحاد الأوروبي ولا البيت البيض الأمريكي أهمية.
والانتخابات الرئاسية الجورجية ستأتي بميخائيل سآكاشفيلي رغما عن الشعب الجورجي والمعارضة المشتتة. وسيأتي سآكاشفيلي من وراء ظهر أوروبا والولايات المتحدة بعد أن أغمضتا عيونهما. وسيكون في هذه المرة قويا وأكثر ثقة بنفسه وبتصرفاته. وسيدفع الثمن شعبا أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. والشعب الجورجي نفسه ليس مسؤولا عن مجيء سآكاشفيلي، بينما المعارضة القبلية تتحمل المسؤولية سوية مع الحلفاء الغربيين الذين قد يفتر اهتمامهم قريبا بشخصية الرئيس الجورجي الجديد/القديم ـ سآكاشفيلي.
http://ar.rian.ru/analytics/articles/20080104/95377519.html

الروائي والكاتب الروسي فالنتين راسبوتين


إلى نفس الأرض.. كتاب للروائي الروسي راسبوتين


أشرف الصباغ*
قامت دار نشر "فاغريوس" الروسية بإصدار طبعة ثانية من المجلد الجديد الذي يتضمن مجموعة من القصص الجديدة للكاتب الروسي فالنتين راسبوتين، والذي صدرت طبعته الأولى في ديسمبر/ كانون الأول 2000.
ونظرا لأن الكاتب منشغل في السنوات الأخيرة بالعمل الاجتماعي الذي يراه جزءا لا يتجزأ من العمل الإبداعي، أصبح قليل الإنتاج على مستوى الكم وبالتالي جاء كتابه الأخير "إلى نفس الأرض" متضمنا بعض القصص والروايات القديمة نسبيا والتي نشرت من قبل في مجموعات أخرى مثل "المهلة الأخيرة" و"دروس الفرنسية" وإلى جانبها "منزل ريفي" و"مهنة جديدة" و"رؤية".
وتتضمن القصص الأخيرة التي كتبها راسبوتين في السنوات الأخيرة حالة من الكشف والتوغل في قاع روسيا الجديدة التي يرفضها الكاتب رغم عشقه لها, فـ"منزل ريفي" (1999) هو روسيا الواسعة بكل تناقضاتها وفي جميع مراحلها وبالذات في السنوات الأخيرة.
أما "مهنة جديدة" (1998) فهي عبارة عن تجليات الافتراق والاختلاف والتشتت والتلاشي وكل التعبيرات الدالة على "السقوط" بمعناه الفلسفي الأخلاقي المادي، والحديث يدور في هذا العمل الإبداعي حول الدولة والأرض والإيمان والتاريخ والتشريعات واليقين والأفكار.
وتأتي القصص الأخرى في إطار الشجاعة الراسبوتينية المثيرة لإزعاج محبي الاستقرار وأنصار "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، والمفزعة للقراء الذين يسلمون أنفسهم لأبحاث راسبوتين الاجتماعية الفلسفية مؤمنين تماما بأنه لن يقودهم إلى المجهول بقدر ما سيتجول بهم في أنحاء روسيا الواسعة، كاشفا عما يحاولون إغماض عيونهم عنه بالتلفزيون والسينما والمخدرات والديسكو والفودكا.
وكان راسبوتين حصل عام 2000 على جائزة سولجنيتسين الأدبية، في سابقة هامة أثارت اهتمام الدوائر الأدبية الروسية والأوروبية في الفترة الأخيرة. هذه الجائزة تقرر منحها في أكتوبر/ تشرين الأول 1997، وحصل عليها لأول مرة الأكاديمي فلاديمير نيكولافيتش توبوروف عام 1998. وفي عام 1999 حصلت عليها الشاعرة إينا ليسنيانسكايا.
غير أن الجائزة في هذه المرة جاءت في جوهرها مخالفة لكل التوقعات، بل وتعتبر الأولى من نوعها نظرا لحصول كاتب معاصر عليها. والجائزة تختلف عن العديد من الجوائز الأدبية الكثيرة في روسيا وأوروبا وتشبه في الكثير من جوانبها جائزة نوبل.
ويعود حصول راسبوتين على جائزة سولجنيتسين -كما جاء في كلمة لجنة التحكيم- إلى قدرته على "التعبير الثاقب والحاد عن شاعرية الحياة الشعبية وتراجيديتها، والجمع بين الطبيعة الروسية والخطاب الروسي، والإحساس الروحي والحكمة في نشر مبادئ الخير والجمال". أما الأسباب التي أثارت اهتمام الدوائر الأدبية الروسية والأوروبية فترجع إلى أن اسم راسبوتين ككاتب وشخصية اجتماعية وسياسية نشطة، مرتبط بتوجهات اجتماعية وسياسية وفكرية محددة لا تتوافق مع الأفكار والأيدولوجيات الجديدة السائدة.
ومع ذلك فقد حاز قرار اللجنة على ترحيب شعبي ضخم لأن الجائزة تعبر في المقام الأول عن اختيار إبداعي أخلاقي قيمي. وفالنتين غريغوريفيتش راسبوتين -بدون شك- يعتبر أهم كاتب روسي في النصف الثاني من القرن العشرين.
وكان راسبوتين أيضا قد حصل مؤخرا على وسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الرابعة خلال الحفل الذي أقامه الكرملين وقام فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتسليم الجوائز والأوسمة.
ولعل رواياته "المهلة الأخيرة" و"نقود لماريا" و"عش وتذكر" و"وداعا ماتيورا" أكبر مؤشر على امتزاج أدب راسبوتين وفكره الفلسفي والاجتماعي بالثقافة الشعبية الروسية. بل وتعتبر العديد من قصصه القصيرة مثل "دروس اللغة الفرنسية" و"العجوز" و"رودولفيو" وغيرها من أهم القصص التي تنتمي إلى الأدب الروسي العاطفي، الأمر الذي جعلها إلى جانب رواياته تدخل إلى البرامج الدراسية في المدارس الروسية منذ أكثر من 20 عاما.
وقد حاولت وسائل الإعلام الروسية منذ بداية التسعينات -نظرا لانتماءاته الفكرية- دفع اسمه وإنتاجه الأدبي إلى دائرة الظل, ولكن نشاط الكاتب الإبداعي والاجتماعي وقف أمام الآلة الإعلامية الروسية الجديدة بصلابة نادرة.
ولد فالنتين راسبوتين يوم 15 مارس/ آذار 1937 في قرية "أوستا أودا" على نهر أنغارا بمقاطعة إرقوتسك في سيبيريا، وأنهى دراسته بجامعة إرقوتسك عام 1959 في كلية الآداب والتاريخ. وفي الفترة من عام 1958 حتى 1966 عمل بالصحافة في كل من إرقوتسك وكراسنويارسك، ففي عام 1958 عمل مراسلا لجريدة "الشباب السوفياتي" وفي عام 1959 بدأ العمل بالتلفزيون، ثم مراسلا لصحف أخرى.
وفي عام 1961 صدرت له أولى مجموعاته القصصية بعنوان "نسيت أن أسأل ليوشكا". وصدرت مجموعته الثانية "إنسان من العالم الآخر" عام 1965. وفي عام 1966 صدرت له ثلاثة كتب دفعة واحدة تضم مقالاته عن سيبيريا وحياة الجيولوجيين وعمال البناء.
لم تتأت شهرة راسبوتين فقط من إبداعاته الأدبية، ولكن إلى جانب كل ذلك أكدتها مؤلفاته الأخرى ومقالاته وكتبه التي وضعته على طريق أجداده المشاكسين الذين كانوا يحشرون أنوفهم في كل شيء مما كان يغضب قياصرتهم ورؤساءهم على الدوام.
ففي عام 1969 ظهر كتابه "مصيري سيبيريا"، ثم "ذكريات عن نهر" (1971)، وفي عام 1972 ظهر كتاب "إلى أسفل وإلى أعلى مع التيار". ويتناول في "مصيري سيبيريا" سيبيريا من ناحية أيكولوجية وليس من سمعتها المنتشرة كمنفى. ومع ذلك فتسمية الكتاب بهذا الشكل تدفع إلى التداعي بصورة أو بأخرى. إن سيبيريا تشكل إحدى أهم المعضلات وأخطرها في حياة روسيا منذ ما قبل بطرس الأول ويكاترينا الثانية، وذلك من حيث موقعها وأهميتها وثرواتها التي لم يتم الكشف عنها حتى النهاية.
وتشكل من ناحية أخرى في وعي الإنسان الروسي مظهرا من مظاهر النفي الذي يمتلك في مخيلة الإنسان العادي والكاتب -على حد سواء- أبعادا مأساوية يمكنها ببساطة أن تحيلنا إلى العديد من التداعيات الخاصة بمصائر الكتاب الروس.
إضافة إلى كل ذلك ففي جميع أعماله الإبداعية وحتى في كتبه يوجد عالم روحي خاص حيث تتشكل نماذج أبطاله أساسا بكينونة محددة، الأمر الذي يجعل فيها الحكم الأول والأخير لضمير الإنسان. وعموما فهذه الخصوصية بالذات موجودة بوضوح في أعماله "المهلة الأخيرة" و"عش وتذكر" والتي أكملها بروايته الانتقادية الحادة "الحريق" عام 1985 ونال بها جائزة الدولة للمرة الثانية.


الشاعر الداغستاني - السوفيتي رسول حمزاتوف


رسول حمزاتوف.. شاعر جبلي غنى للقيم والجمال

أشرف الصباغ*
استطاع رسول حمزاتوف أن يصنع تراثا إنسانيا خالدا بكل المعايير حتى أن جائزة نوبل تخجل تماما من عرض نفسها عليه، وهو في كل الأحوال لا يهتم بها ويرى أن الشاعر لا يصنعه أحد.
حمزاتوف هو أحد الشعراء الكبار مثل أصدقائه ناظم حكمت وبابلو نيرودا ولويس أراغون والجواهري، ومن إحدى عباراته البسيطة تماما يمكن اكتشاف مدى عبقريته الفذة كشاعر وإنسان وحكيم.
يقول الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف "ليس الكاتب من يستطيع توظيف التراث، بل الذي يصنعه" وبالتالي أصبحت جمله الشعرية جزءا من التقاليد والتراث اليومي المتداول مثل الأمثال الشعبية والحكم، إضافة إلى جمالياتها الفنية التي استطاعت أن تملأ الفراغ الخانق بعد رحيل يسنن ومايكوفسكي وغوميلوف وبلوك وتسفتايفا وأخماتوفا ومجموعة المستقبليين الروس.
ولد حمزاتوف عام 1923 في قرية تسادا الصغيرة القائمة على قمة جبل بداغستان، وفي عام 1950 أنهى الدراسة في معهد جوركي للآداب في موسكو وصدر ديوانه الأول باللغة الآفارية قبل أن يتم العشرين من عمره, وعمل نائبا بمجلس السوفيات الأعلى ورئيسا لاتحاد كتاب داغستان، وحصل على لقب شاعر الشعب عام 1958 ثم على جائزة لينين وجائزة لوتس الأفروآسيوية وجائزة نهرو. ورغم ذلك فهو لا يهتم كثيرا بالجوائز ويرى أنها ليست القيمة الحقيقية للكاتب الحقيقي خاصة إذا كان شاعرا.
كتب حمزاتوف ما يقرب من 30 ديوانا شعريا بدأها عام 1943 بديوان "الحب الحار والكراهية الحارقة" وصدر ديوانه الأخير عام 1994 بعنوان "المهد والوجاق". ولعل نشأة حمزاتوف الجبلية منحته مجموعة من الصفات الجامحة والقوة الروحية الهائلة فهو شاعر ومحارب وحكيم وقديس وأب حنون وزوج مطيع رغم أنه شاعر.
ويبدو أن عام 1998 كان عام الاحتفال الأخير بشاعر وهب العديد من شعوب الاتحاد السوفياتي السابق وعلى الأخص شعوب القوقاز، إرثا روحيا أصبح جزءا لا يتجزأ من التراث العام لهذه الشعوب.
فقد خصصت له صحيفة "الثقافة" الروسية صفحة كاملة بمناسبة مرور 75 عاما على ميلاده، وانضمت إليها صحيفة "فيك" والجريدة الأدبية الروسية بعد ذلك كفت الصحف والمجلات خلال السنوات الثلاث الأخيرة عن تناول أخبار حمزاتوف, فهل تناساه المثقفون وعشاق شعره؟ أم أن الانشغال بحروب القوقاز جعل الجميع ينسون بعضهم بعضا؟ أسئلة كثيرة يمكن طرحها، ولكننا نفاجأ بأن الأطفال الصغار يحفظون أشعاره, فمن أين كل هذا التأثير؟!
من الواضح أن حمزاتوف عندما قال إن الكاتب هو الذي يصنع التراث كان يدرك جيدا مدى ما تحمله هذه العبارة من حكمة تاريخية جبلية.
أما الجانب السياسي الاجتماعي في حياة رسول حمزاتوف فيعتبر الجزء الهام في تركيبته الشخصية مثل أي كاتب أو شاعر عظيم لا ينفصل لديه الإبداع عن العمل السياسي الاجتماعي.
ورغم نشاطاته السياسية الاجتماعية أثناء وجود الاتحاد السوفياتي فإنه كان ضد انهياره, ولعل سقوط التجربة السوفياتية ترك أثره البالغ عليه كشاعر وسياسي في آن واحد. كما صرح في المقابل بأنه ضد العديد من ممارسات الحزب الشيوعي السوفياتي، وكثيرا ما وقف ضد قرارات اللجنة المركزية وساند المطالبين بإلغاء الرقابة ونقد النظام السياسي في البلاد.
من أنصع مواقف الشاعر رسول حمزاتوف مساندته لمجموعة فيلم "نحن الموقعون أدناه" بل وطالب بمنح الفيلم جائزة الدولة. وأثناء التصويت اتضح أن الأقلية كانت إلى جانبه.
وحاول البعض تهدئته بقولهم "لقد أظهرتم موقفكم من الفيلم ومبدئيتكم تجاه الكلمة الصادقة" فأجاب حمزاتوف "نعم، لدينا مبدئية، ولكن تنقصنا العدالة". وكم كانت له مواقف هامة وخطيرة في علاقته بخورتشوف وبدجورني إلا أن حمزاتوف كان بحجم دولة كاملة، ومن هنا تحديدا نجا من العديد من المهالك رغم إصراره على الوقوف دوما عند المنحنيات الخطرة في التاريخ.
وعندما دقت حروب القوقاز الأخيرة أبواب البيوت الجبلية الهادئة تأكد حمزاتوف أن أسوأ نتائج انهيار الاتحاد السوفياتي هي النزاعات القومية التي لم تسلم منها روسيا ولا أي دولة أخرى, فهو يريد الهدوء والأمان لروسيا ولكنه في ذات الوقت يريد أيضا الحرية لبلاده خاصة أن سكانها مثل الخيول الأصيلة لا يستطيعون العيش تحت أي سيطرة.
لم يكتب رسول حمزاتوف شعره بالروسية ولكن جميع دواوينه ترجمت إليها ماعدا الدواوين الثلاثة الأخيرة, وهو الآن لا يثق في المترجمين لأنهم -كما يقول- يعملون بشكل سيئ ولأن المترجمين الجيدين لم يعودوا موجودين.
فهل فعلا الأمر كذلك؟ أم أن منحنى التاريخ في بداية القرن الحادي والعشرين يتخذ مسارا مغايرا للشعر والحرية والوطن والحب والناس؟ إن شعر حمزاتوف سيجيب في الوقت المناسب على مثل تلك الأسئلة الصعبة خاصة أن أعماله الكاملة والمختارة في كتب طلاب المدارس والمعاهد الأدبية وعلى أرفف المكتبات الشخصية في بيوت جميع القوميات بروسيا.
يعاني الشاعر رسول حمزاتوف الآن من مرض خطير بالجهاز العصبي جعله شبه مقعد وقلل كثيرا من نشاطه العضوي، ومع ذلك لا يكف الرجل عن ممارسة النشاط الذهني وإن لم يعد يكتب الشعر.

مظاهرات أبريل في مصر والثورات الافتراضية


القاهرة 31: ثورة في عالم افتراضي
14/04/2008 10:54

بقلم: أشرف الصباغ
في 18 و19 يناير عام 1977 خرج المصريون في هبة تاريخية ضد رفع أسعار الخبز، ما أدى إلى نزول قوات الجيش إلى الشوارع لقمع ما أسمته الحكومة المصرية آنذاك بـ(انتفاضة الحرامية). وقد يظل التاريخ يذكر هذه الخطوة من جانب القوات المسلحة المصرية التي كان آخر مواجهاتها ضمن مهماتها الأساسية في 6 أكتوبر عام 1973. وبعد 31 عاما وعدة أشهر خرج المصريون في العالم الافتراضي الجديد (عالم الإنترنت) لنفس الأسباب تقريبا.
في 18 يناير عام 1977، وبعد عدة ساعات من بدء حشود المصريين مسيراتها في الشوارع والأزقة والميادين مطالبة بتخفيض أسعار الخبز، ارتفعت شعارات سياسية أخرى، مثل ضرورة استقالة الحكومة، وإنهاء حكم أنور السادات، ووقف سياسة الانفتاح الاقتصادي، والتخلص من حاشية رئيس الدولة والمقربين منه. وكانت المدارس والجامعات المصرية آنذاك مقسمة بين القوى الدينية التي أطلق لها أنور السادات العنان لمواجهة المد اليساري، وبين قوى اليسار المختلفة. وبحلول يوم 19 يناير كانت قوات الجيش والشرطة قد أنجزت مهمتها لقمع ملايين (الحرامية) الذين خرجوا للمطالبة بخبز يتلاءم مع قدراتهم الاقتصادية المتدنية إلى ما تحت خط الفقر. وعاش المصريون طوال السنوات التي تلت ذلك يقتاتون على أشكال وأنواع من الخبز يقشعر لها البدن. لم يتقدم حزب أو (منبر)، ولم تتقدم حركة أو قوة دينية لأخذ زمام المبادرة وقيادة الشارع الهائم على وجهه. ورأى البعض أن القوى السياسية (اليسارية أو الدينية) ضيعت فرصة تاريخية لإعادة بناء مصر. والفكرة ببساطة أن هذه القوى لم تكن تعرف أي شيء عن تلك الخطوة من جانب (الحرامية)، أي أنها لم تنظم هذه الهبة الجماهيرية. وبالتالي انتهت الأمور خلال 48 ساعة. وبعد عدة أشهر من نفس السنة، بدأت مرحلة أخرى جديدة من تاريخ مصر بخطوة أنور السادات (التاريخية) نحو تل أبيب بمباركة من واشنطن التي أصبحت المستشار الأكثر ثقة لدى السادات.
في نفس السياق نجحت العديد من القوى السياسية في استثمار ما حدث وأصبح جزء لا يتجزأ من تاريخ هذه القوى، وكان أغلبها من اليسار. بينما غرقت القوى الدينية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، في تدبير خطط وخطوات أخرى بدأت باغتيال أنور السادات نفسه في 6 أكتوبر عام 1981.
بعد 31 عاما خرج المصريون لنفس السبب ولكن بشكل أكثر تنظيما وإن لم يكن هناك أي دخل أو تدخل من جانب القوى السياسية الرسمية (يمين أو يسار أو قوى دينية). ومن الواضح أن هناك قوى جديدة تسعى لتنظيم نفسها عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة. فالرسائل عبر الهواتف المحمولة وشبكة الإنترنت لعبت دورا لا بأس به في ترتيب وعي الناس، إذا جاز التعبير، وأصبحت الجماهير على علم بكل ما يجري تقريبا. علما بأن القوى السياسية الرسمية كررت نفس موقف أو حالة يناير 1977. غير أنه من الملاحظ في الهبة الجديدة أنها حملت طابعا اقتصاديا محضا، وسيطرت الشعارات التي تطالب بتخفيض أسعار الخبز، وتحسين مستوى المعيشة. والحقيقة أن الكلام يدور حول هذا الموضوع منذ الانتفاضة الأولى عام 1977. وفي نهاية أغسطس وبداية سبتمبر 2007 عمت القاهرة موجة خافتة من الأحاديث حول إمكانية اندلاع انتفاضة شعبية مرتبطة بالدرجة الأولى بارتفاع أسعار الخبز. وكانت أسعاره قد ارتفعت بالفعل في بعض مناطق القاهرة. غير أن مصادر حكومية خرجت على وجه السرعة لتنفي أي ارتفاع في أسعار السلعة الأساسية التي يعيش عليها المصريون من بداية نشأتهم. ولم يتطرق المصدر إلى أي شيء آخر يخص أنواع الخبز المطروحة في الأسواق، وهذا حديث آخر، لأن أنواع الخبز قد تتسبب في مظاهرات أخرى.
لا شك أن القوى الدينية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، تحتل المساحة الأكبر في الساحة السياسية المصرية، إن لم تكن القوة الوحيدة الأكثر تنظيما يعد الحزب الوطني الحاكم في مصر. والصراع في حقيقية الأمر على السلطة يدور تحديدا بين هاتين القوتين. بينما تلاشت القوى اليسارية الحقيقية بفعل عوامل كثيرة معروفة للجميع، وما زالت فصولها تتوالي أمام أعين الكل ليس فقط في مصر بل وفي جميع دول العالم. لدرجة أن توصيفات مدهشة ظهرت في الآونة الأخيرة من قبيل "اليسار الموالي للنظام السياسي الحاكم!"، و"الغزل بين الإخوان والسلطة الحاكمة"، و"الناس يسيرون خلف القوى الدينية ليس حبا فيها أو قناعة بما تطرحه، بل بنتيجة الفساد السياسي والاقتصادي في مصر"..
في احتجاجات 6 أبريل 2008 اقتصرت مطالب الناس في مصر على الجانب الاقتصادي، وغاب الشق السياسي تماما. أي أن الحكومة نجحت فعليا في دفع الناس إلى الاتجاه المطلوب. ويبقى الجزء الثاني متوقفا على عامل الزمن. كل ذلك على خلفية تكاد تكون مرعبة بالفعل لتاريخ، وفي تاريخ، مصر السياسي. فاليسار (الرسمي) الذين يصفونه بالموالي للحكومة أبعد عن نفسه شبهة التدبير والتنظيم والقيادة، بل وطالب بأن يعلن المنظمون عن أسمائهم وهوياتهم! وأغلقت القوى الدينية، وبالذات الممثلة في البرلمان، والتي تكاد تقود الشارع المصري، أبوابها على نفسها وكأن ما يجري هو من قبيل الانتقام الإلهي، أو في أحسن الأحوال يجري في دولة أخرى، بينما المصريون في مصر منحوا هذه القوى في الانتخابات البرلمانية 88 مقعدا.
من هنا تحديدا ينطبق وصف (الافتراضي) على ما جرى، وقد يجري في الفترة المقبلة. فالقوى السياسية التي تطرح نفسها، ليس طبعا كبديل للسلطة الحالية في مصر، وإنما كمعادل لبعضها البعض في احتلال المساحة السياسية الأكبر من أجل مساومة السلطة على الناس، هذه القوى غير موجودة بالمعنى السياسي. والأحداث الأخيرة أزالت عنها آخر ورقة توت كانت تستر عورتها بها. وتنظيم الاحتجاجات تم عن طريق الواقع الافتراضي من جانب أفراد أو مجموعات غير معروفة، على الأقل بالنسبة للناس ولوسائل الإعلام على حد سواء.
المثير في الموضوع، أن دخل مصر من 3 مجالات هامة (السياحة وقناة السويس والغاز الطبيعي) يمكن أن يلعب دورا محوريا في موضوع التنمية الاقتصادية والاجتماعية! والأكثر إثارة أن مصر أصبحت تستورد القمح والقطن والأرز بعد أن كانت تصدرها! هذا الكلام وإن كان يبدو مجتزأ أو منزوعا من سياقه، إلا أنه يحمل مضمونا يرتبط بشكل مباشر بموضوع المطالب الاقتصادية حصرا المطروحة في الاحتجاجات الأخيرة في مصر ونجاح الحكومة في توجيه الناس بعيدا عن السياسة والمطالب السياسية. وبالتالي يتجسد الآن البديل الأكثر قوة وقدرة على المناورة في تلبية المطالب الاقتصادية البسيطة جدا. وإذا كان ما يدور منذ سنوات، فيما يتعلق بالبديل المقبل في مصر، افتراضيا، فقد أصبح الآن أمرا واقعا بعد تخلى اليسار عن برامجه الأساسية وقواه الجماهيرية، وعودة القوى الدينية إلى شقوقها وبالذات فيما يتعلق بالموضوع الاقتصادي-الاجتماعي المرتبط مباشرة بحياة الناس، لأن الحياة في الآخرة وليست في الدنيا!
الباب أصبح الآن مفتوحا على مصراعيه أمام البديل المطروح، لأنه الوحيد الذي أصبح واقعيا بعد خلافات وصراعات نظرية-افتراضية طوال السنوات الماضية، ولأنه الوحيد القادر على استبدال السياحة ودخل قناة السويس والغاز الطبيعي بأجولة القمح والأرز وما يستر عورات المصريين صيفا وشتاء. ولكن السؤال: هل يمكن أن يستمر هذا البديل، المقبل لا محالة، في ظل معادلة بدائية بهذا الشكل؟!

في ذكرى الشيخ إمام عيسى

صباح الخيرات يا عم إمام
الغائب في ذكرى حضوره العاطر


بقلم :د. أشرف الصباغ

إذا تحدثنا عن فن الموسيقى والغناء المصري، ربما تكون حارة "خوش قدم" أو "حوش آدم"، كما يحلو لنا أن نسميها، إحدى أهم العلامات في تاريخ الموسيقى في مصر: موسيقى البسطاء والشرائح المهمشة التي تمثل الغالبية العظمي من المصريين. في هذه الحارة عاش (مغنى الشعب المصري) إمام عيسى ما يقرب من ثلاثين عاما برفقة الفنان التشيكلي محمد علي والشاعر أحمد فؤاد نجم، ومن حولهم تجمع مثقفو مصر والعالم العربي والمهتمون بتجربة إمام عيسى الموسيقية من الأجانب. وقبل هؤلاء وأولئك كان سكان الحارة والحارات والأحياء المجاورة يعرفون إمام ويحيطون به ويرددون ألحانه وأغانيه.
في بداية انطلاقة إمام عيسى الموسيقية سيطرت عليه النغمة الدينية-الصوفية التي تواكبت مع الكلمات العاطفية وكان ذلك طبيعياً بحكم ارتباط إمام عيسى في بداياته بالموالد وحلقات الذكر وقراءة القرآن في المساجد. ولكنه كفنان حقيقي كان يمتلك حسا دراميا الأمر الذي تضافر بشكل سريع مع وعيه بهموم البسطاء ومن هنا كانت البداية الحقيقية لفنان بسيط تمكن بوعي وحرفية أن يضع أقدامه على طريق خالد الذكر سيد درويش. ولعلنا نلمح هذا الحس في أغاني مثل (قيدوا شمعة) و(المولد) و(جيفارا مات)� الخ
لقد لعب المكان دورا هاما في فن إمام عيسى لأن النشأة في (أبو النمرس) والحياة في شوارع وحواري القاهرة القديمة ثم الاستقرار في غرفة متواضعة بحارة (حوش آدم) كل ذلك إلى جوار وعيه بالهموم اليومية البسيطة التي تشكل القضايا الكبرى للبسطاء والمهمشين جعل من إمام عيسى الحفيد الشرعي لسيد درويش. من هنا ارتكز الشيخ إمام عيسى إلى القاعدة الموسيقية الدرويشية لينطلق بالموسيقى العربية إلى أفق آخر يعبر بحق عن ثقافة أخرى مغايرة: ثقافة البسطاء من أغلبية المصريين، تلك الثقافة المهمشة التي تثير سخرية الأقلية واحتقارها.
دور يا كلام على كيفك دور
خلي بلدنا تعوم ف النور
إرمي الكلمة في بطن الضلمة
تحبل سلمي وتولد نور��
�����عم إمام عنده كلام
ومسوَّح ف بلاد الناس
من شوق نوله يغزل قوله
ويغني مرفوع الراس ..
( 1 )
وُلِدَ إمام عيسى في 2 يوليو عام 1918 ببلدة "أبو النمرس" بمحافظة الجيزة، قبل رحيل خالد الذكر سيد درويش بخمس سنوات وشهرين وثلاثة عشر يوما، أي في 15 سبتمبر عام 1923. وعليه فهناك عدة تساؤلات تطرح نفسها من قبيل التأمل وليس التداعي: هل تقاطُع البدايات والنهايات يمكنه أن يوحى بشيء ما؟ هل انتظر سيد درويش شيئا ما، أو أحدا ما ليسلمه العهد والأمانة؟ أم أن الذين" تخلصوا" من سيد درويش لم يدركوا مغزى التعاويذ المصرية؟ لم يدركوا معنى الكلمة والولادة في الأساطير المصرية القديمة، لم يدركوا دلالة "الكلمة" وأبعادها في الكتب الدينية المختلفة، لم يفهموا مغزاها في الممارسات الطقوسية والأسطورية ليس فقط لدى المصريين، وإنما لدى كل شعوب الأرض قديما وحديثا؟!لقد أدرك سيد درويش بعبقرية فذة فكرة أن التعبير الموسيقى لا يكون صادقا وكاملا إلا إذا انطوى التأليف الموسيقى على أبعاد ثلاثة بصرف النظر عما إذا كان آليا أو غنائيا:
1-البعد النغمي-المسار اللحني.
2-البعد الإيقاعي-الوحدة الزمنية وقيمتها من حيث النبر.
3-بعد الانسجام والتوافق النغمي المسموع.
من البعدين الأول والثاني تتكون الألحان الأفقية المُسطحة. أما البعد الثالث فهو الذي يُعَمِّق ويجسد تلك الألحان الأفقية، ويحدث ذلك غالبا في شكل مركبات/تآلفات رأسية، وهو ما يسمـي بالهارموني. ومن الممكن أن يأتي البعد الثالث-المُعَمَّق والمجسد للألحان الأفقية-على شكل ألحان أفقية أخرى تتباين لحنيا، وتتردد وترتبط هارمونيا مع الألحان الأفقية الأصلية، وهو ما يسمى بالكوانترابنط. وعموما لن نتوغل في دور البعد الثالث سواء كان هارمونيا أو كوانترابنطيا في تعدد الأصوات والبوليفونية. وما يهمنا هنا أن سيد درويش من خلال تجربته تمكن من التوصل إلى ذلك، ومن ثم لعب دوره الرائد في تأسيس نقلة نوعية في الموسيقى العربية. أما الشيخ إمام عيسي فقد ارتكز بطبيعة الحال إلى القاعدة الدرويشية لينطلق إلى أفق أرحب (لن يحسم هذا الرأي إلا بجمع تراث الشيخ إمام عيسى وتحليله تحليلا علميا) حيث تمكن من صياغة معادلة تكاملية بين الكلمة واللحن والأداء. وهذه معادلة تكاملية كلاسيكية بالمعنى الرياضي، أي التكامل على ثلاثة أبعاد: الكلمة واللحن والأداء. وقد توصل إمام عيسى إلى صياغة هذه المعادلة الصعبة بعد انقطاع وتراجع وهبوط منذ وفاة سيد درويش وحتى قيام ثورة يوليو 1952، أو بالأحرى عندما تم تجميع تراث سيد درويش بعد قيام الثورة بخمسة عشر عاما-أي بعد النكسة. وإمعانا من إمام عيسى في تأصيل معادلته وترسيخها، فقد قام بإضافة بعد رابع-الزمن. وبذلك تكون المعادلة التكاملية الرياضية قد اكتملت لتصبح معادلة تكاملية حديثة بمتغيرات أربعة، ولتتشكل أمامنا لوحة فنية موسيقية كاملة بعناصر أربعة: كلمة-لحن-أداء-زمن. ولكن أي زمن؟ هل هو زمن المغنى؟ أم الزمن الممتد منذ البدايات الأولى؟ أم تلك الفترة الزمنية التي تقاطع فيها هذان الزمنان مع زمن الأحداث التي عاشها المغني/المؤلف نفسه؟ وربما هو ذلك الزمن الذي يفعل فعله في المقدس ليجعله أرضيا وعاديا وحميميا، ولكن مع ذلك سرمديا؟ هذه التساؤلات ليست بالطبع مجرد تداعيات، ولكنها في صلب العملية الإبداعية الموسيقية وعلى نحو علمي، إذ أن تغلغل الأبعاد اللحنية-وخاصة البعد الثالث-في الماضي والحاضر والمستقبل هو في حد ذاته تعبير زمني علمي بالمفهوم الفيزيائي الحديث جدا (وذلك بداية من مفاهيم الميكانيكا الكمية في الثلاثينات ثم النظرية النسبية وانتهاء بما يسمى بالزمن الافتراضي واختراق حاجز الزمن المستند إلى اكتشاف جسيمات أوليه في غاية الأهمية غير الفوتون) يمكنه أن ينتج شيئا يسمى بأصالة اللحن وصدق التعبير، وهو ما يمكن الارتكاز عليه لإنتاج دراما موسيقية، بل وتوزيع تلك الصياغات في أشكال موسيقية حديثة، أي ببساطة تشكيل مدرسة موسيقية خاصة بنا تستند إلى المنجز العلمي/الفني الحديث. وإذا كان سيد درويش قد أدرك بعبقرية فذة العلاقة بين اللحن والمقطع الشعري موسيقيا، ومن ثم برزت جهوده في تأسيس ما يسمى بالقصيدة أو صورها على المقامات العربية، فالشيخ إمام عيسى قد قام على المستوى التقني بتطوير ذلك إذ أن تجربته قد اشتملت على بُعد فني/تقني أصبح بفعل الزمن والجهد متقدما نسبيا وذلك على مستوى الصياغة الشعرية والجملة الموسيقية بكل ما تحمله من شحنات هائلة بداية من تلحين الكلمات والجمل الموسيقية البسيطة وحتى التراكيب المعقدة للجمل الموسيقية. هذا بالطبع إلى جانب أن الشيخ إمام لم يلجأ إطلاقا في أدائه إلى حلاوة الصوت أو التداعي والحزن، بل اعتمد على خشونة الصوت وقوَّته العذبة الصافية. وإذا كان هناك ندبا وتعديدا-من حيث المقامات انعكس بدوره على الأداء-في أعمال الشيخ إمام عيسي، فهي لم تتأت من الرغبة في اللعب على وجدان المستمع/المتلقي ومشاعره، بل هي متأتية بالدرجة الأولى من وجودها في التراث على مستوى الكلمة والمقام الموسيقى وطبيعة كل من المبدع والمتلقي، ومن ثم في الوجدان الجماعي الأمر الذي أدى بالشيخ إمام إلى عدم الاستغناء عنها، وإنما دفعه إلى التعامل معها وإدارتها بذكاء يعلن عن موهبة خلاقة وقدرة عظيمة على التعامل مع المقامات العربية، وهو ما أطلقنا عليه منذ قليــل "المستوى التقني". وهو نفس الشيء الذي كان يجعله يخرج من مقام "صبا"-على سبيل المثال لا الحصر-ومن الحزن والغم والعذابات الذاتية إلى القوة والرفض، وكثيرا ما قام بالتنويع (لحنا وأداء) على المقام الواحد متنقلا في جملة شعرية/موسيقية واحدة من الحزن إلى القوة والثورة إلى السخرية والتهكم، بل وأحيانا إلى التنكيت، وكأنه ببساطة يغنى أفكار المتلقي ويصيغها من جديد بلغة مشتركة تُعَبِّر وتشكل في آن واحد عن أحلامه وطموحاته، ومن أجل ذلك تحرك على عدة محاور هامة تتلخص في:
1-تعامل مع الموسيقى من موقع المؤلف الموسيقي ولم يصنع جملا موسيقية لقصائد شعرية بالمعنى السائد والمبتذل، والمقصود هنا أنه إلى جانب كونه مؤلفا موسيقيا، قام بطبيعة الحال بتأليف موسيقى لقصائد شعرية ولكنه توخى فيها الالتزام بمشروعه الموسيقى والحفاظ على العناصر الأساسية للصورة الشعرية/الموسيقية.
2-صاغ عَالَما صوتيا تَشَكَّلَ من بعدين: موسيقى وغنائي انبثقت منهما وحدة فنية متكاملة لها خصوصيتها التي يمكن أن تصبح قاعدة ارتكاز لتجارب أرقى تقنيا.

( 2 )
لا شك أن ثورة يوليو 1952 قد جاءت بمبادئ وطنية انعكست في مجملها، وفي حدود معينة، على جميع جوانب الحياة والأنشطة آنذاك. وبالتالي على الفن بشكل عام الأمر الذي جعل الغالبية العظمى تلتف حولها، ويقف كل بأداته إلى جوارها. من هنا طرحت الثورة خطابا اجتماعيا/سياسيا/وطنيا مغايرا اقترن في ذات الوقت بمشروع قومي/وطني، ورافق كل ذلك خطاب شعري/موسيقي جديد. بذلك تكاثفت الجهود-نظريا-على العودة إلى الأمام، أي على طريق البحث والتنقيب وإحياء التراث بعد اختفاء المبادرة الوطنية منذ وفاة سيد درويش. ولكن النية/المبادرة الوطنية النظرية وحدها لا تكفى، إذ تم استخدام تراث سيد درويش بشكل أحادى يخدم مجموعة من الأهداف الأولية التي يجب أن تتطور في المستقبل ( مثل الأهداف والمبادئ السياسية التي طرحتها الثورة ولم تتحقق بشكل كامل نظرا لأسبـاب أخرى). وقد ورد على لسان وزير الثقافة الأسبق الدكتور ثروت عكاشة: "� كان سيد درويش نتاجا عبقريا ليقظة الشعب العربي في مصر عام 1919"، ومن الواضح بطبيعة الحال أن العبارة تنطوي على بُعد سياسي كتوجه أو كخطاب للسلطة آنذاك حيث يتم الربط بين سيد درويش وثورة 1919 بشكل قسري دون مراعاة الجوانب الأخرى التي تشتمل عليها تلك العلاقة التي هي أكبر من مجرد علاقة بين فنان الشعب وثورة لا أحد ينكر أهميتها. وبالتالي عندما يتم اجتزاء العلاقات، ومحاولات لربط القسري الظرفي المشروط بين أحداث من أجل استثمارها في قضايا ربما تكون مرحلية دون الالتفات إلى توسيع أبعاد تلك العلاقات وتعميقها، يمكنه أن يؤدى إن عاجلا أو آجلا إلى كارثة. فعندما اختفت المبادرة الوطنية لمدة 29 عاما-منذ وفاة خالد الذكر وقيام الثورة-حدثت فترة انقطاع إلا من محاولات فردية متواضعة للغاية الأمر الذي أدى إلى ضياع جزء كبير من تراث سيد درويش، ونؤكد هنا أن الموضوع هو ضياع وفقدان لأجزاء كثيرة من تراث خالد الذكر، وليس انهيار مشروع سيد درويش كما يحلو للبعض أن يسميه. وقد أدى ذلك إلى استخدام ما تبقى من هذا التراث في مآرب أخرى شبيهة بالمؤامرة، ومن ثم تراجعت الموسيقى إلى ما قبل الدور الفعَّال الذي بدأه سيد درويش. وقد حاولت الثورة أن تتعامل مع هذا التراث في إطار خطابها القومي/الوطني المطروح، إلا أن التعامل جاء نظريا محضا بارتكازه ليس فقط على التجربة الأصلية وما نتج عنها من محاولات فردية، وإنما باستخدام الانحرافات والتحريفات التي بدت مستندة إلى تراث سيد درويش، وبالتالي ظهرت الأغاني التراثية "السياحية" والعاطفية والثورية، والأغاني التي تبجل الفرد وتؤلهه والتي كانت في مجملها مرتبطة بألحان بسيطة سطحية. خلاصة القول أن الإنتلجنسيا الفنية (وهى التي يُطلَق عليها في الأدبيات الإنتلجنسيا المأجورة رغم عدم اتفاقنا كليا مع هذا التعميم) قد انحازت بكل قواها إلى الثورة الجديدة وخطابها الفني "الثورى"، وبالتالي تبنت وجهات نظر النظـام الحاكم، وتحولت الأغاني الشعبية والجماعية بألحانها وبطابعها الدرويشي إلي أغاني وطنية يغلب عليها الطابع الدعائي وتمجيد الفرد. وجاءت نكسة 1967 لتكشف العورات، وتشكل ضربة قاضية لكل ما مضى من توجهات سياسية واجتماعية وفنية. وأفاق الجميع على خواء الشعارات الوطنية، واكتشفوا أن الموضوع كان مجرد حالة ثورية حماسية أدت في مجملها إلى نكسة مروعة ليس فقط للنظام الحاكم والجيش العسكري، وإنما إلى هزيمة الحلم الكبير، والشعار الاجتماعي/الوطني، والنغمة الموسيقية التي ارتبطت أيما ارتباط بالأغاني المكتوبة خصيصا للنظام ورموزه، أو لِما كان يود تكريسه من مشاعر وأحاسيس وأفكار. من هنا أطلق البعض على ظهور الشيخ إمام عيسى أوصافا في غاية الغرابة: ظاهرة إمام/نجم، ظاهرة الأغاني السياسية، الأغاني الثورية، بل وتم تصنيفها على أنها ظاهرة مرتبطـة بالنكسة، أو وليدة الهزيمة والانهيار متناسين أن الشيخ إمام عيسى جاء إلى القاهرة وبدأ مشواره الفني عام 1962، وتتلمذ على الشيخ درويش الحريري، ودرس أصول الموشح الأندلسي، والتقى بالشيخ زكريا أحمد ومحمود صبح والشيخ على محمود، وارتكز قبل كل شيء على تراث سيد درويش، وبدأ أيضا خطابه الموسيقى المغاير لخطاب السلطة في الستينيات قبل نكسة 1967. أي إن إمام عيسى لم يولد (كظاهرة مع نجم) من رحم الهزيمة، وإنما ولد قبلها مثلما ولد سيد درويش فنيا قبل ثورة 1919. أما البروز أو الانتشار فهذا موضوع آخر له شروطه وظروفه ومهامه. وقد برزت أغاني إمام عيسى، ربما، من جراء التناقض الحاد الذي تولد بسبب الهزيمة حيث حاول النظام آنذاك أن يمارس لعبة تغييب الوعي مستخدما نفس الآليات التي استخدمها في بداية الثورة من أجل إعادة الوعي، فهجمت الأغاني العاطفية المبتذلة، والأغاني الشعبية "السياحية" الساذجة والتافهة، وبسبب هذا التناقض تحديدا انتشرت أغاني إمام عيسى من جراء الرغبة المضادة لرغبة السلطة، وبخطاب مضاد أيضا لخطابها وخصوصا بعد الهزيمة. وللأمانة فقد كانت تلك التجربة، وذاك الخطاب موجودين في مسيرة إمام عيسى قبل الهزيمة، وذلك من منطلق الإرادة المضادة لانحراف خطاب النظام الحاكم الذي بدأت تناقضاته الداخلية تقربه مـن حتفه. أما الأمر الثاني والهام في ترسيخ أكذوبة إمام/نجم، فهو انهزام وخيبة أمل المثقفين بشكل عام، والمثقفين اليساريين على وجه الخصوص، وبحثهم عن وسائل للتماسك وراحة الضمير. من هنا ظهر وصف أو مسمى إمام/نجم بحسن نية ونتيجة لانكسار وتردى حقيقيين لدى المثقفين متناسين أن إمام عيسى قد تعامل مع الشعراء المصريين والعرب مثل فؤاد قاعود وفدوى طوقان وزكى عمر وسميح القاسم وزين العابدين فؤاد وتوفيق زياد ونجيب شهاب الدين وأحمد نجم وفؤاد حداد وعفاف العقاد وعبدالرحمن الأبنودي وسيد حجاب، وشبان تونسيين، وتعامل مع التراث العربي، والشعبي، والعربي في الأندلس.
إن تجربة إمام/نجم واحدة ضمن تجارب عديدة، ولكن الاندفاع الشرس للمثقفين اليساريين من جراء انهيار الحلم الكبير، وبهدف إيذاء الذات لم يعطهم الفرصة لالتقاط الأنفاس ومراجعة المصطلحات. كانوا فى أَمَسِ الحاجة إلى بديل سريع لاستعادة التوازن على الأقل، وبالتالي شكلوا عبئا ثقيلا وخطيرا على التجربة الفنية للشيخ إمام عيسى. وهذا بالطبع أحد الأسباب الهامة التي ساهمت في عزل التجربة عن التجربة الفنية في عمومها آنذاك وبعد ذلك أيضا. هذا إلى جانب حصار السلطة السياسية وإغلاق أجهزة إعلامها أمام التجربة، بل ومصادرة حتى الأشرطة البسيطة التي كانت تُسَجَّل في محاولات فردية للحفاظ على تراث إمام عيسى. لقد كانت السلطة سواء في الستينات أو السبعينات، وحتى في الثمانينات على استعداد لتبني التجربة وفتح الأبواب أمامها، ولكن بشروطها هي الأمر الذي كان يمكنه أن يفرغها من أهم عناصرها التي تُشَكِّل جوهرها الأصلي. وفي هذا الإطار لا يمكننا تجاهل أو إغماض العيون عن تسلط الحركة اليسارية المصرية على التجربة ومحاولة الاستيلاء عليها أو الانتساب إليها. ومع ذلك فهذا لم يكن خطأ قاتلا بحكم ظروف كثيرة (ففي كل الأحوال يعود الفضل في اكتشاف إمام وتقديمه إلى جماهير الشعب البسيطة والمثقفين على حد سواء إلى الحركة اليسارية المصرية والمثقفين اليساريين تحديدا، ولولا ذلك لظل إمام عيسى مقرئا بسيطا للقرآن الكريم في المساجد والموالد والأعياد)، ولكن كارثة الصراع الداخلي للحركة اليسارية والوطنية بشكل عام هو الذي لعب الدور الأساسي في ذلك الحصار الذي يشبه الخنق، مما زاد من بُعد التجربة عن وسائل الإعلام حيث تم استخدامها بشكل ضيق ومحدود في نشاطات متفرقة لكل فصيل على حدة الأمر الذي كان يدفع إمام نفسه إلى رفض التعامل مع أجهزة الإعلام. هذا إلى جانب أن التجربة قد تم تصنيفها في المرحلة الناصرية، وبالتالي دخلت إلى المرحلة الساداتية جاهزة للرفض ومصبوغة بعلو الصوت والسب والضجيج والسفاهة (هذا طبعا من وجهة نظر مثقفي السلطة الجديدة، والإنتلجنسيا الصاعدة، ناهيك عن الخطأ الفادح لمثقفي الستينيات في إطلاقهم الأوصاف والمصطلحات التي ذكرناها آنفا). واستمرت السلطة في السبعينيات في ترصد التجربة وإجهاضها أولا بأول الأمر الذي أدى إلى التعامل مع فن إمام عيسى بدرجة لا تقل في خطورتها وتحريمها عن التعامل مع الممنوعات، في نفس الوقت الذي ظهرت فيه وانتشرت أغاني وأشعار وألحان ما أنزل الله بها من سلطان! والأدهي والأمر أن أجهزة الإعلام قد روَّجت لها بمساعدة الإنتلجنسيا المأجورة في ظل الانحطاط العام والكلي الذي تزامن مع حملة ضخمة لترويج المخدرات وبشكل لم يكن له مثيل في أية فترة من تاريخ مصر (وفى ظل حكومة وطنية!)
هنا يقفز سؤال آخر متعدد الأوجه والنوايا، وإذا كان يبدو أنه مرتبط بما يسمى ظاهرة إمام/نجم، فهو مرتبط أيضا بفكرة سيئة النية، ألا وهى ربط إمام بنجم وتكريس، بل وتأصيل مفهوم أنها مجرد علاقة عابرة ومحدودة بحكم الظرف السياسي وظروف أخرى منها السكن وإحالة كل ذلك إلى تثبيت أن تجربة الشيخ إمام عيسى قد أُجهِضَت وذهبت إلى حال سبيلها مثلما قيل أن مشروع سيد درويش قد انهار، على الرغم من أن الواقع يقول عكس ذلك بالنسبة للتجربتين ولتجارب أخرى ربما يتسع الوقت بعد ذلك لمعالجتها. إذن.. هل كان ظهور الشيخ إمام عيسى في هذه التجربة ضروريا وهاما؟ وإذا لم يظهر إمام عيسى في تلك التجربة، فهل كان من الممكن أن يظهر أي إمام آخر-أقصد أي شخص آخر؟ بالطبع نرى أن السؤال الثاني هو إجابة على السؤال الأول. نعم.. كان من الضروري واللازم أن يظهر إمام. وإن لم يظهر، فقد كان من الضروري أن يظهر أي شخص آخر. ومن ثم يعود السؤال ليبرز على نحو مغاير: إذن لماذا ظهر إمام عيسى تحديدا؟ وهنا نجيب ببساطة: مثلما ظهر سيد درويش. وإذا نحينا جانبا تلك الأوصاف العاطفية الجميلة مثل وصف "بطل" سنجد أن كلا من سيد درويش وإمام عيسى قد ظهر في زمنه وفي ظروفه، بمعنى أن أيا منهما لم يأت مبكرا أو متأخرا. وبالتالي كان ظهور سيد درويش في ظل شروط محددة قد أملى عليه مهاما محددة في إطار اختياراته، ومن ثم تجاورت لديه الأغاني الوطنية والشعارية، والطقاطيق الخفيفة الساخرة، وأحيانا الجنسية، وتجلت قدرته على مزج الألحان النابعة من التراث بالألحان الساخرة والمبكية، ومع ذلك فقد أدلى بدلوه ونفَّذَ نقلته النوعية العظيمة في الموسيقى العربية وتمكن من حل المعادلة الصعبة التي تجمع بين الهم الاجتماعي/الوطني وبين الهم الفني/الحضاري وذلك بلجوئه في نهاية الأمر إلى الدرامـا الموسيقية، مع الأخذ في الاعتبار أن سيد درويش عندما كان يتحرك بين مصر والشام، وبين الإسكندرية والقاهرة، إنما كان يتحرك في أرض واحدة وبلد واحد تحت الوصاية العثمانية والاحتلال الأجنبي سواء كان بريطانيا أو فرنسيا. هذا إلى جانب أن قضية التخلص من الاستعمار وطرد المحتلين كانت تمثل الهم الأول والأساسي آنذاك، وكذلك الوعي العام العالي جدا بين كافة طبقات الشعب في ظل الثورة القائمة، كل ذلك أدى بشكل أو بآخر إلى ولادة مشروع وطني حقيقي وإن لم يكن رسميا في دعم إبداعات سيد درويش والترويج لها كنتاج وطني ضخم وسلاح هام وفعَّال.
أما إمام عيسى فقد جاء في ظل ظروف أكثر تعقيدا أملت عليه مهاما متضاربة ومتناقضة: فهو محاصر من فصائل المثقفين السياسيين (التي يدين لها بأشياء كثيرة وبالتالي أعلنت عليه الوصاية وأصبحت عائقا بعد أن كان لها فضل الاكتشاف. ولكن والحق يقال إذا تأملنا هذه القضية في إطار ظروفها فسوف نلتمس الكثير من الأعذار لفصائل المثقفين لأنها كانت هي الأخرى محاصرة)، ومحاصر من النظام مثل كل المثقفين الوطنيين، ومُستثنى من أجهزة الإعلام، ومُجابه بحملة شعواء من إنتاج فني غث ورديء تزامن مع انحطاط في الوعي العام، وبالرغم من كل ذلك لم تقتصر أعماله على الزعيق والشتائم وكشف الفضائح وتعرية النظام السياسي بشكل مباشر، بل تجاوز كل ذلك مع إمكانياته العالية على التعامل مع التراث الشعبي والموشحات الأندلسية والتراث العربي في محاولة جادة للإفلات من عملية الاستقطاب سواء من ناحية الأنظمة السياسية المتعاقبة، أو من فصائل الأحزاب السياسية المتناحرة التي حاولت استخدامه كبوق في مواجهة بعضها البعض وفى مواجهة الأنظمة أيضا. وفي ظل هذه الظروف الصعبة تمكن من القيام بعمل بعض الأعمال للسينما والمسرح، وأعتقد أن ما يُسلَب حاليا من تراثه خير دليل على توجهه إلى الدراما الموسيقية (مسلسل "المال والبنون"، وفيلم "الغريب"، وفيلم "الطريق إلى إيلات"، ناهيك عن الأعمال التي ورد عليها اسمه كمؤلف موسيقى). إن إمام عيسى لم يتوقف عند الفضح الاجتماعي والسياسي في إطاره المحلي، وإنما قام بوضع معادلته الهامة بين الهم الاجتماعي/الوطني وبين الهم الفني/الحضاري في إطار رؤية عامة وشاملة، أي رؤية ليست محلية، وإنما رؤية أممية تنظر بشمول وعمومية انطلاقا من خصوصية موسيقية وتراثية.